علي بن أحمد المهائمي

193

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وأيضا ( بصفات الذم ) وأخبر بذلك عن نفسه بقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] ، واستدل على الثاني بقوله : ( ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق ) أي : بما يناسب صفاته القابلة للظهور ( من أولها إلى آخرها ) كالعليم ، والقدير ، والمريد ، والسميع ، والبصير ، والمتكلم ، والحي ، ( وكلها ) أي : كل صفات الحق ( حق ) أي : ثابت ( له ) أي : العبد ( كما ) هي أي : القصة ( صفات المحدثات حق للحق ) . وهذا إشارة إلى أن حدوث العبد لا ينافي اتصافه بما يناسب الصفات القديمة ، كما أن قدم الحق لا ينافي اتصاف ما ظهر منه في المحدثات بصفاتهم ، وإن كان اتصاف العبد بالصفات القديمة ، واتصاف الحق به بالصفات الحادثة محالا . [ الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] فرجعت إليه عواقب الثّناء من كلّ حامد ومحمود وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] فعمّ ما ذمّ وما حمد وما ثمّ إلّا محمود أو مذموم ، اعلم أنّه ما تخلّل شيء شيئا إلّا كان محمولا فيه فالمتخلّل اسم فاعل محجوب بالمتخلّل اسم مفعول . فاسم المفعول هو الظّاهر ، واسم الفاعل هو الباطن المستور ، وهو غذاء له كالماء يتخلّل الصّوفة فتربو به وتتّسع فإن كان الحقّ هو الظّاهر فالخلق مستور فيه ، فيكون الخلق جميع أسماء الحقّ سمعه وبصره وجميع نسبه وإدراكاته ، وإن كان الخلق هو الظّاهر فالحقّ مستور باطن فيه ، فالحقّ سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه كما ورد في الخبر الصّحيح ] . ثم استدل على ثبوت صفات المحدثات للحق بقوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] ، فرجعت إليه عواقب الثناء من كل حامد ومحمود ) فكان الحق حامدا بكل حمد على لسان ذاته وعبده ، وكان محمودا ذاته وخلقه ، وإن كان الحق حامدا للخلق أو الخلق حامدا للحق فرجعت حامدية العبد ومحموديته إلى اللّه ، وهما من صفات الخلق . ثم عمم فقال : ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ، فعم ) هذا الأمر كل ( ما ذم ) وحمد من الخلق فرجع إليه كل محمود ومذموم من صفات العبد . ثم قال : يفهم من هذا رجوع جميع صفات العبد إليه ؛ وذلك لأنه ( ما ثم ) أي : في صفات العبد ( إلا محمود ، أو مذموم ) إذ لا واسطة بينهما ، فرجعت جميع الصفات إلى الحق ، وكيف لا والصفات لا تلحق الأعيان من حيث عدمها ، بل من حيث وجودها فهي لاحقة لصورة الحق ، واللاحق لصورة الشيء في حكم اللاحق به سيما إذا كانت صورته متوقفة على محاذاة ذي الصورة ، لكن الذم حاصل في الصورة ، إذا كانت بحسب بمقتضى المرآة لم يكن لنقص في الذات .